أبي حيان الأندلسي

311

البحر المحيط في التفسير

بالشعر ، لأن الآية ليست من هذا الباب ، بل من عطف شيئين فأكثر على شيئين فأكثر ، وإنما الذي وقع فيه خلاف أبي علي هو : ضربت زيدا وفي الدار عمرا ، وإنما يستدل على ضعف مذهب أبي علي بقوله تعالى : اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ « 1 » وبقوله : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ « 2 » وتمام الكلام على هذه المسألة مذكور في علم النحو . وَقِنا عَذابَ النَّارِ هو سؤال بالوقاية من النار ، وهو : أن لا يدخلوها ، وهي نار جهنم ، وقيل : المرأة السوء الكثيرة الشر . وقال القيثري : واللام في النار لام الجنس ، فتحصل الاستعاذة عن نيران الحرقة ونيران الفرقة . انتهى . وظاهر هذا الدعاء أنه لما كان قولهم : وفي الآخرة حسنة ، يقتضي أن من دخل الجنة ، ولو آخر الناس ، صدق عليه أنه : أوتي في الآخرة حسنة ، قد دعوا اللّه تعالى أن يكونوا مع دخول الجنة يقيهم عذاب النار ، فكأنه دعاء بدخول الجنة أولا دون عذاب ، وأنهم لا يكونون ممن يدخل النار بمعاصيهم ويخرجون منها بالشفاعة . ويحتمل أن يكون مؤكدا لطلب دخول الجنة ، كما قال بعض الصحابة . إنما أقول في دعائي : اللهم أدخلني الجنة ، وعافني من النار ، ولا أدري ما دندنتك ولا دندنة معاذ . فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « حولها ندندن » . أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا تقدّم انقسام الناس إلى فريقين : فريق اقتصر في سؤاله على دنياه ، وفريق أشرك في دنياه أخراه ، فالظاهر أن : أولئك ، إشارة إلى الفريقين ، إذ المحكوم به ، وهو كون : نصيب لهم مما كسبوا ، مشترك بينهما ، والمعنى : أن كل فريق له نصيب مما كسب ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . ولا يكون الكسب هنا الدعاء ، بل هذا مجرد إخبار من اللّه بما يؤول إليه أمر كل واحد من الفريقين ، وأن أنصباءهم من الخير والشر تابعة لاكسابهم . وقيل : المراد بالكسب هنا الدعاء ، أي : لكل واحد منهم نصيب مما دعا به . وسمي الدعاء كسبا لأنه عمل ، فيكون ذلك ضمانا للإجابة ووعدا منه تعالى أنه يعطي كلّا منه نصيبا

--> ( 1 ) سورة الملك : 67 / 3 . ( 2 ) سورة النساء : 4 / 58 .